ابن العربي

756

أحكام القرآن

الليل ، ومنه سمّى الجن ، لاجتنانهم عن الأبصار ، وكذلك الجنة في قوله تعالى « 1 » : وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً ؛ سمّوا بذلك لاجتنانهم . المسألة الثالثة - قوله : مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ : يعنى رفعت على الأعواد ، وصينت عن تدلّى الثمر على الأرض ، وأظهرت للإدراك ، وسهل جمعها دون انحناء . والعرش ؛ كل ما ارتفع فوق غيره . وقيل : تعريشها حياطتها بالجدر ، وما قام مقامها ، حتى لا يكون فيها مدخل لأحد ؛ والأول أقوى في الاشتقاق . وقد قيل في قوله « 2 » : خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها : يعنى على أعاليها ، ولعله على جدرانها ، وأشار بذلك إلى حدائق الأعناب التي هي الكروم في ألسنة العرب ، ثم قال بعد ذلك - وهي : المسألة الرابعة - وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ ، وفرّق بينهما ؛ لأنهما أصلا المعاش ، وعمادا القوت ، ثم فرّق بين الزيتون والرمان في وزان آخر - وهي : المسألة الخامسة - ووصفها بأنها متشابهة وغير متشابهة ؛ يعنى أن منها ما يتشابه في الظاهر ، ويخالفه في الباطن ؛ ومنها ما يشتبه في اللون ، ويختلف في الطعم ؛ وفي ذلك دليلان عظيمان : أحدهما - على المنّة منه سبحانه علينا ، والنعمة التي هيّأها لنا - وهي : المسألة السادسة - فلو شاء ربّنا إذ خلقنا أحياء ألّا يخلق لنا غذاء ، أو إذ خلقه ألّا يكون جميل المنظر طيّب الطعم ، أو إذ خلقه كذلك ألّا يكون سهل الجنى ، فلم يكن عليه أن يفعل ذلك ابتداء لأنه لا يجب عليه شيء ، وإن فعله فبفضله ، كابتداء خلقه في تعديد النعم وتقرير الفضل والكرم والشهادة على الابتداء بالثواب قبل العقاب ، وبالعطاء قبل العمل . الدليل الثاني على القدرة في أن يكون الماء الذي من شأنه الرسوب يصعد بقدرة الواحد القادر علّام الغيوب من أسافل الشجر إلى أعاليها ، ويترقّى من أصولها إلى فروعها ، حتى إذا انتهى إلى آخرها نشأ فيها أوراق ليست من جنسها ، وثمار خارجة عن صفتها ، فيها الجرم الوافر ، واللّون الزاهر ، والجنى « 3 » الجديد ، والطعم اللذيذ ؛ فأين الطبائع وأجناسها ؟

--> ( 1 ) سورة الصافات : آية 158 . ( 2 ) سورة البقرة : آية 259 . ( 3 ) الجنى : ما يجنى من الشجر ما دام غضا ( المصباح ) .